الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

204

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فقيل المعنى : لتركبن حالا بعد حال ، رواه البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم والأظهر أنه تهديد بأهوال القيامة فتنوين « طبق » في الموضعين للتعظيم والتهويل و عَنْ بمعنى ( بعد ) والبعدية اعتبارية ، وهي بعدية ارتقاء ، أي لتلاقنّ هولا أعظم من هول ، كقوله تعالى : زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ [ النحل : 88 ] . وإطلاق الطبق على الحالة على هذا التأويل لأن الحالة مطابقة لعمل صاحبها . و روى أبو نعيم عن جابر بن عبد اللّه تفسير الأحوال بأنها أحوال موت وإحياء ، وحشر ، وسعادة أو شقاوة ، ونعيم أو جحيم ، كما كتب اللّه لكل أحد عند تكوينه رواه جابر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال ابن كثير هو حديث منكر وفي إسناده ضعفاء ، أو حالا بعد حال من شدائد القيامة وروي هذا عن ابن عباس وعكرمة والحسن مع اختلاف في تعيين الحال . وقيل : لَتَرْكَبُنَّ منزلة بعد منزلة على أن طبقا اسم للمنزلة ، وروي عن ابن زيد وسعيد بن جبير أي لتصيرنّ من طبق الدنيا إلى طبق الآخرة ، أو إن قوما كانوا في الدنيا متضعين فارتفعوا في الآخرة ، فالتنوين فيهما للتنويع . وقيل : من كان على صلاح دعاه إلى صلاح آخر ومن كان على فساد دعاه إلى فساد فوقه ، لأن كل شيء يجرّ إلى شكله ، أي فتكون الجملة اعتراضا بالموعظة وتكون عَنْ على هذا على حقيقتها للمجاوزة ، والتنوين للتعظيم . ويحتمل أن يكون الركوب مجازا في السير بعلاقة الإطلاق ، أي لتحضرن للحساب جماعات بعد جماعات على معنى قوله تعالى : إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ [ القيامة : 30 ] وهذا تهديد لمنكريه ، وأن يكون الركوب مستعملا في المتابعة ، أي لتتّبعنّ . وحذف مفعول : « تركبن » بتقدير : ليتبعن بعضكم بعضا ، أي في تصميمكم على إنكار البعث . ودليل المحذوف هو قوله : طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ويكون طَبَقاً مفعولا به وانتصاب طَبَقاً إما على الحال من ضمير ( تركبن ) وإما على المفعولية به على حسب ما يليق بمعاني ألفاظ الآية . وموقع عَنْ طَبَقٍ موقع النعت ل طَبَقاً ومعنى عَنْ إما المجاوزة ، وإما مرادفة معنى ( بعد ) وهو مجاز ناشئ عن معنى المجاوزة ، ولذلك لما ضمّن النابغة معنى قولهم : « ورثوا المجد كابرا عن كابر » غيّر حرف